كرسي أسود دوار = وطن صغير

في التاسع من فبراير الجاري امتلكت كرسيي الأسود الدوار الخاص بي ، كنت منهمكة أتنقل بين الفصول لإعطاء الدروس _فأنا معلمة متفرقة كما أخبرت سابقاً وهذا يعني اني لست مربية فصل وحيد فقط ولكني أدخل على عدد منها _ وعندما دخلت لغرفتنا المستطيلة ذات المكاتب الخشبية الفاتحة المتلاصقة شعرت بازدحام غريب ..تأملت قليلا ً لحظة !
” بنات ايش صاير كراسي جديدة 😍 ؟ “
” ايه مبرووك تعالي شوفي حقك “
واو ورميت بنفسي كما أفعل كل مره تخور فيها القوى بعد الحصص المتتابعة بيد أن هذه المرة كانت مختلفة انزلق الكرسي إلى الوراء بسرعة لدرجة خوفي من السقوط 🤭
يالله كيف كنا نعيش ألهذه الدرجة كانت الكراسي متهالكة درجة أن نحركها بأنفسنا و تقف مرارا ونضطر لتكاتف الأيدي وسحب احدانا الأخرى ، أعلم يفترض أن نقف وندفعها و لكن نريد نيل أكبر قسط من الراحة لحين عودتنا للفصول 😂😂
كان يوما ً سعيدا ً جدا ً انشرحت به اساريري كلما رأيت كرسيي يقف شامخاً أمام مكتبي 😍
هل نبأ كهذا يستحق الأحتفال أو حتى التوثيق ؟!
نعم يستحق _ a thousand time yes _ عندما قدمت للمرة الأولى كان المكان مزدحم والمدرسة تجدد مبناها وغرفها و أخبروني أن أبقى مع تلك التي سأحل مكانها لأتعلم منها ..كانت غرفتهم ضيقة جدا تبدو كمترين في مترين وخمسة مكاتب و معلمات وثلاجة صغيرة بيضاء كنت أضع عباءتي وحقيبتي في مكتب احدى المعلمات من القريبات البعيدات لكنها لطيفة جدا لكن أين أجلس ؟!
كرسي خفيف ينطوي كنت افتحه واجلس عليه خلف الباب كلاجئه غير مرغوب بها و تفتقد وطنها 💔
فوظيفتي السابقة كنت أملك مكتبا كبيرا جدا ً وكرسي خاص ودواليب والكثير من العُهد المسؤلة عنها ، فجأة أصبحت ضيفا ً ثقيلاً في غرفة ضيقه ينتظرون خروجي ليقوموا بطي الكرسي وتخبئته خلف الباب بقيت كذلك بضعة أشهر لحين خروجي في إجازة للولادة ، لكم أن تتخيلوا المنظر امرأة حامل في الأشهر الأخيرة ببطن متكورة تجلس ملاصقة للثلاجة على كرسي خفيف 🙂 لا بأس الحياة كفاح ومن يعيش حياة مرفهة أصلا ً ؟!
مرت الأيام سراعا ً وعدت لهم أخبروني ان تلك الغرفة ضيقة فلا داعي للرجوع فيها ..في الغرفة الثانية وضعوا لي مكتبا صغيرا خشبيا بجوار مكاتبهم المتلاصقه يختلف عن البقية ، لا يهم كيف هو المهم أنه مساحتي الخاصة 💓
لم تدم الفرحة كثيرا حتى أخبرونا بانتقالنا للطابق العلوي ، ولأني جديدة ولا أعرف أحدا فكانت الغرفة الأقرب للفصول من نصيب القدامى وعندما دخلت معهم للمرة الأولى توزعوا فيها فجأة وأخرجت احداهن خريطة يدوية مرسومة بخط إحداهن كانوا قد تقاسموا الأماكن عليها ..ولم أحظى بأي بقعة معهن 🙂
هل هذا يعني أنني سأعود للجوء مرة أخرى ؟!
أخبرتني المشرفه أنه علي الذهاب للغرفة القصية في الجزء الغربي من المدرسة مع معلمات الصفوف العليا اللاتي لا أعرفهن ولا يجمعنا سوى المديرة فحتى الإدارات تختلف ،
المهم رضيت بكل الأحوال المهم ألا أعود ضيفة ثقيلة.
في الغرفة النائية أخترت أقرب المكاتب إلى الباب ، سألتني إحداهن لماذا ؟! فقلت حتى أصل بسرعة للفصول 😂 فردت
” يا أسماء كل هالمسافة اللي تقطعينها جات على كم خطوة زيادة ؟! “
تطورت العلاقات وأصبحت رفيقة للبعيدات وفي الاجتماعات أغدو غريبة على اللاتي كانت معهن بداية 🙃
أمضيت فصلا دراسياً كاملا ً وشهرين هناك ، أجواء غرفتهم لطيفة وهادئة ولهم طقوس جميلة حيث كتب على السبورة جدول غسيل دلة القهوة وعندما عرفوا أني لست من أهلها لم يدخلوني في الدور 😂😂
كل صباح تقوم احدى معلمات الرياضيات_ حيث حصصهن أولى فيحضرن مبكرا ً تبارك الله_ بوضع الماء والقهوة في الدلة على الفرن الكهربائي الذي يعلو الكرتون الخشبي وتوصيهم بإطفاء النار وعدم نسيانها ، تتكفل معلمات الاجتماعيات بذلك _ حيث تتأخر حصصهن _ تبدأ واحدة أخرى بإشعال المبخرة الألكترونية وتضع قطعة من البخور فتفوح رائحته الحلوة وتختلط برائحة القهوة العربية مزيج صباحي فاخر ..نصطف بعدها عند المبخر لنبخّر شعرنا ونستمتع برائحته الملتصقه لبقية اليوم 😍
كل هذا يحصل من السابعة وحتى الثامنة إلا ربع ، يعم السكون بعدها ونبدأ بإنجاز الأعمال المعلقة كتصحيح كومة كتب أو أوراق اختبار أو أي كان ..
تركت هذا كله عندما خرجت إحدى المعلمات وقد حرصت جزاها الله خيرا على إبلاغي مسبقا ً و كتبت أسمي بورقة صغيرة وألصقتها على المكتب وأتت إليّ تزف البشرى
“- أسماء أنا راح انزل لرياض أطفال وأبغاك تآخذين مكتبي أنت بالذات ؟!
-ليه !
– ما حبيت مبكره والموجهة كريهه بلص أنت الوحيدة اللي جالسة بعيدة وما قلت ِ شيء فحرام يجي غيرك يآخذه بارد مبرده ..المهم أسوم المكتب يستناك ” ثم سلمت مودعة
أسرعت بلملمة أغراضي وركضت مهرولة لأحتل مكتبي الجديد 😂
في اليوم التالي أتيت للرفاق القدامى مودعة و شكرتهن على حسن الضيافة و رحابة صدورهن ❤
_ من هالمنبر أحبكم يا غرفة الرياضيات والاجتماعيات _
المهم اني حظيت بمكتب بلا كرسي 🙂 ، الزين ما يكمل صح !! لا بأس كل الأشياء تتطلب وقتا ً كانت هناك كراسي كثيرة أسحب أي واحد وأجلس عليه وفي الأمر سعة إلى حين وقت الفسحات أو الاجتماعات تبدأ كل واحدة بالبحث عن اسمها المكتوب بالمُزيل الأبيض على أحد ايدي الكرسي فأخجل وأقوم لو كنت متطفلة ..الجميع يعرف أني لا أملك أي كرسي ، لذا بعد كل هذا الوقت قررت إدارة المدرسة توفير كراسي لمن لا يملك وكنت على رأس القائمة ولله الحمد 🙏🏼
تطلب الأمر كل هذه الأحداث لأحصل أخيرا على وطن صغير أرتمي فيه واستريح من التعب بلا خجل من التعدي على مساحة الغير .
نحتاج لهذه الأوطان الصغيرة المتمثلة بكرسي دوار أو غرفة في منزل أو حتى مجرد سرير مهما بلغ حجم المساحة يكفي شعور الامتلاك لها ، مساحة خاصة لا يتجاوزها أو يعتدي عليها أحد دون رضاك 💓😌
هامش :
اكتشفت أن الكرسي الأول الذي جلست عليه لازال موجودا في غرفة المرشدة الطلابية وقد اجتمعنا ذات مرة هناك و التقيته بعد غياب طويل ، صرحت للجميع بحبه وذكريات البدايات معه ❤

5 أفكار على ”كرسي أسود دوار = وطن صغير

  1. تدوينتك رائعة جدًا!
    أحب كثيرًا الحديث عن الاشياء وعلاقتنا معها، وفعلًا فكرة الأوطان الصغيرة في النهاية عظيمة 🙂
    مبارك عليكم الكراسي الجديدة وتحية لكل تلك المكاتب والكراسي التي مررتِ بها😉

    إعجاب

    • شكرا ً لك 💓
      ارتبط كثيراً بأشيائي وألوم نفسي فهذا متعب صعوبة التخلي والتخفف 🤷🏻‍♀️
      قبل أيام قرأت تغريدة في تويتر تدور حول نفس الشيء ماذا ستحكي عنك أشياءك لو استطاعت الكلام ..وكدت أكتب تدوينة عما أظنهم سيحكونه لولا ضيق الوقت 🤭
      و أخيرا ًالله يبارك فيك ومنهم لك تحية معطرة بكل حب ❤😁

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s